الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
71
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال لها : صلي أمّك . وقيل : نزلت في فريق من الأنصار كانوا متولّين لكعب بن الأشرف ، وأبي رافع ابن أبي الحقيق ، وهما يهوديان بيثرب . وقيل : نزلت في المنافقين وهم ممّن يتولى اليهود ؛ إذ هم كفّار جهتهم ، وقيل : نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلف مع اليهود ، فلما كان يوم الأحزاب ، قال عبادة للنبي صلى اللّه عليه وسلّم : إنّ معي خمسمائة رجل من اليهود ، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو . وقيل : نزلت في عمار بن ياسر لما أخذه المشركون فعذّبوه عذابا شديدا ، فقال ما أرادوه منه ، فكفّوا عنه ، فشكا ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فقال له : « كيف تجد قلبك » قال : « مطمئنا بالإيمان » فقال : فإن عادوا فعد . وقوله : مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ( من ) لتأكيد الظرفية . والمعنى : مباعدين المؤمنين أي في الولاية ، وهو تقييد للنهي بحسب الظاهر ، فيكون المنهي عنه اتخاذ الكافرين أولياء دون المؤمنين ، أي ولاية المؤمن الكفّار التي تنافي ولايته المؤمنين ، وذلك عندما يكون في تولّي الكافرين إضرار بالمؤمنين ، وأصل القيود أن تكون للاحتراز ، ويدل لذلك قوله بعده : « ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء » لأنّه نفي لوصلة من يفعل ذلك بجانب اللّه تعالى في جميع الأحوال ، والعرب تقول : « أنت منّي وأنا منك » في معنى شدة الاتّصال حتى كأنّ أحدهما جزء من الآخر ، أو مبتدأ منه ، ويقولون في الانفصال والقطيعة : لست منّي ولست منك ؛ قال النابغة : فإنّي لست منك ولست منّي فقوله : فِي شَيْءٍ تصريح بعموم النفي في جميع الأحوال لرفع احتمال تأويل نفي الاتّصال بأغلب الأحوال فالمعنى أنّ فاعل ذلك مقطوع عن الانتماء إلى اللّه ، وهذا ينادي على أنّ المنهي عنه هنا ضرب من ضروب الكفر ، وهو الحال التي كان عليها المنافقون ، وكانوا يظنّون ترويجها على المؤمنين ، ففضحهم اللّه تعالى ، ولذلك قيل : إنّ هذه الآية نزلت في المنافقين ، وممّا يدل على ذلك أنّها نظير الآية الأخرى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 144 ، 145 ] . وقيل : لا مفهوم لقوله : مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ لأنّ آيات كثيرة دلت على النهي عن ولاية الكافرين مطلقا : كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [ المائدة : 51 ] - وقوله - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا